الحاج حسين الشاكري

348

موسوعة المصطفى والعترة ( ع )

الأئمة ( عليهم السلام ) طبيعةً تختلف عن طبيعة البشر أو تسمو بأجسامهم على الطبيعة البشرية ، ومع أنّه لم يُغالِ في إيراد صفاتهم المعنوية ، كلّ ذلك لم يحل دون ظهور فِرَق دينية وصوفية بين الشيعة منذ القرن الثالث الهجري ، وكلّ واحدة منها تتعصّب لرأيها وتناوئ غيرها من الفِرَق وكأنّها تنتمي إلى مذهب مستقلّ . ولئن كان العرفان دعامةً من الدعائم الأربع التي تقوم عليها المعارف الجعفرية ، فإنّ عرفان الصادق ( عليه السلام ) كان يلتزم حدود الاعتدال ، يتوخّى معرفة الدين على الوجه الصحيح والمذهب النقيّ كذلك وتبصير الناس بحدودهم ومهامّهم . ولكنّ الصادق ( عليه السلام ) لم يكن يريد للعرفان أن يصبح مذهباً شائعاً مستقلاّ عن الدين . ومع ذلك ، أخذت المذاهب والفرق الشيعية تتكاثر وتتشعّب منذ القرن الثالث للهجرة ، وغالى بعضها غلوّاً شديداً حتّى قال بوحدة الوجود ، أي وحدة الخالق والمخلوق ، وهو ما يُعتبر شركاً وكُفراً في عقيدة الشيعة ( 1 ) . والذي يعنينا من هذه الظاهرة ، أنّ حرّية البحث والكتابة كانت منهاجاً مرعيّاً من أتباع الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، ولم يتعرّض أحدٌ لإيذاء أو عقوبة لأنّه أبدى رأياً خالف به أيّاً من الآراء والنظريات التي كانت سائدة في هذه المدرسة ، سواءً أكانت دينية أم علمية أم فلسفية . لقد كان تلامذة الصادق ( عليه السلام ) يطرحون عليه الأسئلة ، وينتقدون هذا الرأي أو ذاك ، ويعارضون ما يُساق في المدرسة من حجج ، وكان يتقبّل ذلك منهم برحابة صدر وبشاشة وجه ، وفي كتب الحديث والسيرة سجلّ واف لما جرى بين الإمام

--> ( 1 ) هذه الفِرَق في الحقيقة لم تكن شيعية وحتّى لم تُسلم ، لكنّما السياسة الزمنية فرضتها ، فتستّرت بغطاء الشيعة ، والشيعة منهم براء .